الاثنين، 1 أغسطس 2011


* القـــدوس .. جل جلاله *


القدوس .. الأصل اللغوي ..

على وزن ( فُعُّول ) .. من المبالغة .. وهو الأسم الأوحد من الأسماء الحسنى على الوزن

مشتق من التقديس .. وهو تنزيه الله

تقدس أي تطهر

نقدس لك أي نطهر أنفسنا لك

البيت المقدس أي المطهر .. الذي يتطهر فيه من الذنوب

القدس : البركة

بيت المقدس : المبارك

روح القدس : هو جبريل عليه السلام لطهارته


القدوس .. هو المطهر المطلق ..

الممدوح بالفضائل والمحاسن شديد التنزه عما يقول المبطلون

الطاهر في كمال ورفعة وعلو وتنزه عن النقائض والعيوب

المنزه عن كل وصف يدركه حس أو يتصوره خيال

المنزه عن كل ما يحيط به العقول أو يسبق إليه وهم

المنزه عن كل ما يختلج به ضمير أو يقضي به تفكير

القدوس .. هو سبحانه الكامل المطلق .. الجامع لأوصاف الكمال المنعوت بكل كمال الموصوف بكل جمال وجلال .. هو الأعظم بلا حدود في كل أوصاف الكمال ..

هو كمال الكمال .. سبحانه أعلى وأعظم من كل كمال يتخيله العقل المبرأ من كل عيب أو نقص يتعارض مع كماله المطلق .

هو كامل الصفات العلية .. دون نقص أو عجز في الصفات أي أن صفاته جميعها وطلقة تبلغ الكمال في الوصف ..

فرحمته مطلقة وعلمه مطلق وكلمته مطلقة وسمعه مطلق وعزته مطلقة وعدله مطلق وقوته مطلقة .. فلا يعجزه شيئ ولا يقف ضد إرادته وصفاته حائل ..


القدوس .. هو سبحانه المطهر عن كل ما يناقض أسماء ذاته العلية

هو سبحانه وتعالى ( الحيي ) المطهر عن الموت

( العزيز ) المطهر عن الذل .. ( القادر ) المطهر عن العجز .. ( الكريم ) المطهر عن البخل..

( العليم ) المطهر عن الجهل .. وهكذا شأن سائر أسمائه وصفاته في ذاته العلية .

القدوس .. هو سبحانه المطهر عن أن يكون له مثيل أو شبيه سواء مماثلة شكلية أو مماثلة في الصفات .. فمن صفاته الخاصة التي لا توجد في مخلوق أنه هو الواحد الأحد الخالق من العدم المحيي من الموت والمميت بعد الحياة والباعث الأزلي الأبدي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم .. فعال لما يريد .. هو الأول والآخر ..

ومن صفاته تعالى ما جعلله في خلقه ليمثل مظهرا″ من مظاهر الصفة لدى الله عز وجل مثل السمع والبصر والكلام والقدرة وغيرها .. دون أدنى مماثلة .. فالإشتراك في هذه الصفات فقط لفظي مجازي .. ( ليس كمثله شيئ وهو السميع البصير ) ولو كره الكافرون .

فهو سبحانه المنزه والمطهر عن المثيل والشبيه والند والكفؤ والمضاد .. تباركت ربنا وتعاليت

لا نصفك إلابما ذكرت به ووصفت به نفسك في كتابك أو على لسان نبيك .. صلى الله عليه وسلم ..

هو سبحانه القدوس .. ليس المنزه عن صفات نقص العباد فقط وإنما هو المنزه عن صفات كمالهم وما يماثلها وما يشابهها .. ( كل ما خطر ببالك .. فالله خلاف ذلك ) ..

سبحانه ..سبحان الملك القدوس .. تعالى عما يقولون علوا″ كبيرا″ ..


والقدوس جل شأنه هو .. المنزه عن الإدراك أو الوصول إليه

لا يستطيع أحد إدراك ذاته ..

وغاية قصارى الجهد أنه يعرف سبحانه بصفاته ..

وصفاته سبحانه أعلى وأكمل من الإدراك أو الإحاطة .. فالعجز عن الإدراك .. إدراك


القدوس جل شأنه هو .. الموصوف بالنبل والطهر والنزاهة والمهابة والعظمة المطلقة

الذي يقدسه خلقه جميعا″ بلا إستثناء

ويسبحون بحمده طوعا″ وكرها″ بالا إنتهاء ..

قال القدوس : ( تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما″ غفورا″ ) ( الإسراء : 44 ) ..



* اسم الله القدوس جل جلاله في القرآن الكريم :

(1) ورد اسم القدوس في القرأن الكريم مرتين : في قوله تعالى :

( هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر . سبحان الله عما يشركون ) ( الحشر : 23 )

وفي قوله تعالى : ( يسبح لله ما في السماوات والأرض الملك القدوس العزيز الحكيم )(الجمعة :1)

(2) ورد في القرآن الكريم آيات تشير إلى معنى القدوس :

قال الله تعالى على لسان ملائكته : ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون )

( البقرة : 30 ) .. أي نقدس أنفسنا لك بمعنى نطهر أنفسنا بعبادتك وطاعتك وتعظيمك وتكبيرك ..

وقال تعالى في حق عيسى عليه السلام : ( ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وأتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جآءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم أستكبرتم ففريقا″ كذبتم وفريقا″ تقتلون ) ( البقرة : 87 ) .. والمقصود جبريل عليه السلام لطهارته ..


* اسم الله القدوس .. في الحديث الشريف :

عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده وفي ركوعه : ( سبوح قدوس رب الملائكة والروح ) ( رواه مسلم وعبدالرازق ) ..

وفي حديث أبى كعب رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم من الوتر قال :

( سبحان الملك القدوس ) ثلاث مرات يرفع بالثلاثة صوته ( رواه ابن حيان والدارقطني وابن الجارود ) ..

وفي الحديث : ( أن روح القدس نفث في روعي لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها فأتقوا الله وأجملوا في الطلب ) .. أي جبريل عليه السلام ..

وفي الحديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا قدست أنة لا يؤخذ لضعيفها من قويها )

أي لا بارك فيها ولا طهرها ..



* حظ العبد من اسم الله القدوس :

(1) أنت عبدالله .. القدوس .. الطاهر الكامل العلي العظيم فكيف تريد أن تذكره بأعضاءك وحواسك دون أن تتطهر .. فتطهر طهارة تليق بشريتك حتى تستحق أن تكون عبدا″ في نور القداسة الإلهية التي تليق بالله تعالى ..

والطهارة البشرية .. تتضمن الطهارة من الدنس المرتبط بالتركيب المادي للبشر والطهارة من الآفات القلبية المرتبطة بالتركيب الروحي للبشر .. وهذه الطهارة البشرية تختلف إختلافا″ مطلقا″ عن القداسة أو الطهارة الإلهية لأن الله تعالى هو المبرأ من المادة لأنه سبحانه هو خالق المادة ..

فهو سبحانه مبرأ منها ومما يتبعها من جميع وجود الدنس التي تصيب البشر بسبب بنيتهم المادية .. وهو تعالى مبرأ من أي تكليف لأنه سبحانه هو المشرع وهو الذي يصدر التكاليف لعباده .. فهو سبحانه مبرأ من الخضوع لأي تكليف أو أي شيئ فلا يوصف بشرك أو كفر أو معصية .. فلا إله إلا هو الواحد الأحد الفرد الصمد .. وهو تعالى ليس له شبيه أو مثيل مبرأ من الآفات القلبية لأنه ليس له شبيه حاسد أو مثيل حاقد .. سبحانه وتعالى المنزه عن كمالات البشر ..

فالطهارة البشرية تتضمن :

أ – الطهارة من الدنس وكل ما يكون سببا″ للإصابة بالآفات والأمراض .. قال تعالى : ( وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ) ( الأنفال : 11 ) .. وقال تعالى : ( وثيابك فطهر والرجز فأهجر ) ( المدثر : 4-5 ) .. وقال تعالى : ( فأعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتي يطهرن ) ( البقرة : 222 ) ..

ب – الطهارة من الآفات القلبية والنفسية كالحقد والحسد والبغض والبخل .. قال تعالى : ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) ( التوبة : 102 ) .. وقال سبحانه : ( أولائك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ) ( المائدة : 41 ) ..

جـ - الطهارة من الجنابة : قال تعالى : ( وإن كنتم جنبا″ فأطهروا ) ( المائدة : 6 ) ..

د – التطهر من المعاصي والتخلص من كل عبادة غير عبادة الحق جل وعلا والتخلص من الذنوب قال تعالى : ( أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) ( النمل : 56 ) .. وقال تعالى : ( إني متوفيك ورافعك إلىّ ومطهرك من الذين كفروا ) ( آل عمران : 55 ) ..


(2) يجب على المسلم أن ينزه نفسه عن مذموم الصفات ومرذول العادات ويبعد نفسه عن واقف الشبهات .. يقول الإمام الغزالي في ذلك :

( يمكن للإنسان أن يتقدس في علمه بأن ينزهه عن المتخيلات والمحسوسات والموهومات ومل ما يشارك فيه البهائم من الإدراكات بل يكون تردد نظره وطواف علمه حول الأمور الإلهية المنزهه وبذلك يرتفع إلى المنازل العليا والمكانات المقامات الرفيعة ..

ويمكن أن يقتني من العلوم ما لو سلبت آلة حسه وتخيله لبقي ريان بالعلوم الشريفة ..

ويمكن أن يقدس إرادته عن الدوران حول الخطوط البشرية التي ترجع إلى لذة الشهوة والغضب ومتعة المطعم والنكح والملبس والملمس والمنظر وما لا يصل إليه من اللذات إلا بواسطة الحس والقلب فيصبح لا يريد إلا الله تعالى ولا يبقى له حظ إلا في الله تعالى ولا يكون له شوق إلا إلى لقاء الله تعالى ولا فرج إلا بالقرب من الله تعالى ..

فتطهر وأرتفع وكن كما قال نسوة أمرأة العزيز عن سيدنا يوسف عليه السلام : ( ما هذا بشرا″ إن هذا إلا ملك كريم ) وذلك لأنه كان صورة مثالية للأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة .. لم يروا فيه إلا رفعة وعلوا″ وبعدا″ عن الخطايا وترفعا″ عن الدنايا .. لا يتصرف كتصرفهم ولا يهبط لمستواهم .. يعيش وكأنه ليس منهم ..

(3) من أبسط وأول غايات الأدب مع الذات الإلهية والحضرة الإلهية أن أقصى ما يجتهد به العارف في التوصل للقرب من الله هو أن يتعرف عليه عن طريق صفاته مع الإنتهاء الكامل عن القرب من التفكير في الذات .. فالأثر يقول :

تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله

ففكر في عظمة الخلق ومظاهر القدرة ولا تبحث عن الذات فالبحث عن الذات شرك

والعجز عن الإدراك إدراك ..

ويا عبد الله .. أين أنت وما حجمك وما إمكانياتك يا فقير يا ضعيف يا ميت لكي تفكر في ما لا تستطيع أن تتخيله ولا تقدر أن تستوعبه من العلو الأعظم والكمال الأكمل فأحترم قدراتك التي أعطاك الله ولا تتعد حدودك وألتزم الأدب الكامل والخشوع التام والذل الدائم لرب الأكوان وبارئ الأبدان المعز المذل المحيي المميت وهو حي لا يموت ..

إنك إن نظرت إلى رأٍ مصاب بكسر أو مريض تحت تأثير المخدر وقد فتحت رأسه جراحيا″ ورأيته عاجزا″ عن الحراك أو عن التدبير عرفت حجمك ولزنت أدبك فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ..

* الذكر والدعاء في ظل اسم الله القدوس سبحانه :

بالإضافة إلى ما ذكر من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الإسم ورد عن بعض الصالحين في دعائهم :

( سبحان الملك القدوس الخلاق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز )

ويقال أنه دعاء مجرب لمن تعتريه الوسوسة

وورد عن بعض الصالحين :

( يا قدوس الطاهر من كل سوء فلا شيئ يعادله من جميع خلقه )

ويقال أنه يرد الناس عمن يلوكون بسيرته ويعقر به الله لسان من يذكر ذكره بسوء ..والله أعلم ..

يقول بعض الفضلاء :

ومما شاهدته عن تلاوة هذا الإسم أن الجوارح والحواس لا تشتهي معصية وقت ذكره .. فالعين تكره ما حرم الله والأذن تأبى سماع ما يغضب الله لأن للأسم تأثير على سائر جوارح الجسد .. فيامن تريد أن تتحرر من شهوة الجسد وريقة المعاصي ألزم هذا الأسم الشريف ليذهب الله عنك رجس الشيطان ..

ومن أدعية الإمام الشاذلي في حزب البر : يقول :

( يا الله يا ملك يا وهاب هب لنا من نعمائك ما علمت لنا فيه رضاك وإكسنا كسوة تقنا بها من الفتن في جميع عطاياك وقدسنا عن كل وصف يوجب نقصا″ مما أستأثرت به في علمك عمن سواك )

فمن لازم ذكر أسم ربه ( القدوس جل جلاله ) أذهب عنه الله رجس الشيطان ووسوسته وطهر جوارحه وزكى سمعته بين الخلق ومن داوم على قرائته أجتمع شمله بما يريد وكان قلبه صافيا″ ويزول البلاء عن جسمه .. والله أعلم ..


فمن قدس ربه تعالى ..

فقد أحسن الثناء عليه بما هو أهله ..

وأدى شكر الله عليه بقدر طاقته البشرية لا بقدر ما يستحقه الله عز وجل

قال تعالى :

( وما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز ) ( الحج : 74 )

أي ما عرفوه حق معرفته ولا عبدوه حق عبادته ولا شكروه حق شكره

فإذا أردت أن تشكر الله تعالى القدوس

فلا سبيل إلى ذلك إلا بالإعتراف له بالعجز عن شكره

( اللهم يا ملك يا قدوس نزه نفوسنا عن الشرك وطهرها من كل ما يعكر صفو الإيمان ويكدر جلاء اليقين .. )

سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك فعز شأنك وقوي سلطانك ولا إله غيرك )


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق